الثعلب العجوز يصنع معجزة جزيرة الـ150 ألف نسمة.. مرض ابنته كاد يمنعه من كتابة التاريخ

ديك أدفوكات

ديك أدفوكات

كتب : إبراهيم جاد

الأحد، 14 يونيو 2026 09:14 م

​في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن كتاب مسيرته التدريبية قد أُغلق تماماً، قرر العجوز الهولندي ديك أدفوكات أن يكتب الفصل الأكثر إثارة وإلهاماً في تاريخ كرة القدم الحديثة. من ملاعب لافارج وشواطئ حوض الكاريبي الهادئة، خرج منتخب كوراساو ليتحول إلى الحصان الأسود الذي يسرق الأضواء في نهائيات كأس العالم 2026، خلف قصة تكتيكية وإنسانية بطلها مدرب رفضت كرة القدم أن تلفظه.

​العودة من الاعتزال لكتابة التاريخ

​في أواخر عام 2023، كان أدفوكات يجلس مسترخياً في منزله بهولندا، مستمتعاً بقرار اعتزاله التدريب بعد مسيرة حافلة دامت لعقود، قاد خلالها أندية كبرى كآيندهوفن ورينجرز، ومنتخبات بحجم هولندا وروسيا.

​لكن اتصالاً هاتفياً واحداً في يناير 2024 من اتحاد كوراساو لكرة القدم (الجزيرة الكاريبية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 150 ألف نسمة) غيّر كل شيء. العرض كان يحمل مشروعاً يبدو في ظاهره ضرباً من الجنون: "عد إلى الملاعب، وقُد هذه الجزيرة إلى نهائيات مونديال 2026". وافق الثعلب الهولندي، واصطحب معه طاقمه الخبير بقيادة مساعده الوفي كور بوت، لتبدأ الرحلة.

​خطة "صيد المغتربين": كيف تفوّق أدفوكات على الطواحين الهولندية؟

​لم يكن لدى كوراساو دوري محلي قوي أو بنية تحتية تضاهي عمالقة الكونكاكاف، وهنا ظهرت عبقرية أدفوكات الإستراتيجية. استغل المدرب الروابط التاريخية والسياسية بين هولندا وكوراساو (كمستعمرة هولندية سابقة)، وبدأ حملة "تفتيش وتنقيب" موسعة في الأكاديميات الهولندية والأوروبية.

​استخدم أدفوكات اسمه الكبير وثقله التكتيكي لإقناع الطيور المهاجرة والمواهب الشابة التي تمتلك أصولاً كاريبيية بتمثيل منتخبهم الأم، مستغلاً خروجهم من الحسابات الفورية لمنتخب هولندا الأول. وكان من أبرز صفقاته الاستراتيجية الموهوب الشاب ليفانو كومينينسيا (لاعب يوفنتوس السابق وزيورخ الحالي) في أواخر عام 2024. أقنعهم أدفوكات بفكرة واحدة: "لماذا تنتظرون مقاعد البدلاء في أوروبا بينما يمكنكم كتابة التاريخ واللعب بصفة أساسية في المونديال؟".

​الانضباط الأوروبي بقلب كاريبي

​نجح الطاقم الفني الهولندي في نزع عباءة "العشوائية" التي طالما عابت منتخبات الجزر الصغيرة. زرع أدفوكات الصرامة التكتيكية والمدرسة الهولندية القائمة على الاستحواذ، والتحولات السريعة، والتمركز الدفاعي الدقيق.

​مزج هذا الانضباط بالمرونة والاندفاع البدني الفطري للاعبين الكاريبيين، ليتحول المنتخب من مجرد فريق يبحث عن التمثيل المشرف إلى منظومة صلبة قادرة على مجاراة الكبار وتفكيك خطوطهم.

​حقيقة المعجزة: من التصفيات الصعبة إلى هز الشباك الألمانية

​المعجزة لم تعد مجرد حبر على ورق؛ فقد شق منتخب كوراساو طريقه بنجاح في تصفيات قارة أمريكا الشمالية والوسطى المعقدة، وحجز مقعداً تاريخياً في المونديال الحالي.

​ولم يكتفِ رجال أدفوكات بالوصول؛ بل صعقوا المتابعين في دور المجموعات بأدائهم البطولي أمام عمالقة العالم. ولعل اللقطة التي تلخص هذه الملحمة هي نجاح كتيبة أدفوكات في إحراج المنتخب الألماني العريق في مباراتهم الأخيرة بهيوستن، عندما نجح ليفانو كومينينسيا في هز شباك "المانشافت" ومقارعة نجوم بحجم موسيالا وفيرتز، تحت إدارة فنية واعية من العجوز القابع على خط التماس.

​"العمر مجرد رقم في بطاقة الهوية، والشغف هو ما يحرك المنظومة".. هكذا برهن ديك أدفوكات للعالم في مونديال 2026 أن الأحلام الكروية الكبرى لا تحتاج إلى ملايين السكان، بل إلى عقل مدبر يعرف كيف يجمع الشتات ويصنع من الشغف مجدًا تاريخيًا.

استقالة قبل المونديال وعودة تاريخية

في مطلع فبراير الماضي، صدم المدير الفني المخضرم ديك أدفوكات الشارع الرياضي في كوراساو والعالم بإعلانه الاستقالة من منصبه، وذلك بعد أسابيع قليلة من قيادته المنتخب لإنجاز تاريخي غير مسبوق بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم. وجاء قرار أدفوكات حينها حاسماً ومصحوباً بعبارته الشهيرة: "العائلة تأتي أولاً وقبل كرة القدم"، إثر تدهور مفاجئ في الحالة الصحية لابنته تطلّب تواجده الكامل بجانبها في هولندا.

​ومع مغادرة الثعلب الهولندي، دخل منتخب كوراساو في مرحلة انعدام وزن؛ حيث تولى مواطنه فريد روتن المهمة الفنية بدلاً منه. إلا أن التجربة لم يُكتب لها النجاح، إذ تلقى الفريق خسائر قاسية في المباريات الودية الاستعدادية—أبرزها السقوط بخماسية أمام أستراليا—قبل أن يتقدم روتن هو الآخر باستقالته بشكل مفاجئ في مايو الماضي، مشيراً إلى "أجواء عمل غير مواتية وضيق الوقت".

​نقطة التحول: استقرار عائلي ورغبة جماعية

​أمام أزمة الإدارة الفنية وقرب انطلاق المونديال، فتحت بارقة الأمل العائلية الباب أمام عودة "العرّاب". فمع تحسن الحالة الصحية لابنة أدفوكات واستقرار وضعها الصحي، تحرك الاتحاد المحلي لكرة القدم في كوراساو بسرعة قياسية وبدعم كامل ومباشر من نجوم المنتخب، الذين طالبوا بعودة مدربهم السابق لإكمال الحلم الذي بدأه معهم.

​بيان رسمي: "بعد الاطمئنان على الظروف العائلية لمدربنا القدير، وبناءً على الرغبة المشتركة من اللاعبين والإدارة، يسعدنا الإعلان عن عودة ديك أدفوكات لقيادة أحلام كوراساو في المحفل العالمي."