إنجلترا والأرجنتين.. مباراة بدأت قبل صافرة البداية بـ60 عامًا
إنجلترا ضد الأرجنتين
كتب : إسراء أبوعلي
الأربعاء، 15 يوليو 2026 02:47 م
هناك مباريات تُلعب من أجل ثلاث نقاط، وأخرى من أجل لقب. لكن عندما يتعلق الأمر بإنجلترا والأرجنتين، فإن الأمر يصبح أكبر من كرة القدم نفسها.
فأول مواجهة بين المنتخبين منذ 21 عامًا جاءت في نصف نهائي كأس العالم، ما يعني أن الرهانات بلغت أعلى مستوياتها. لكن هذه المواجهة تحديدًا تحمل تاريخًا مختلفًا، تاريخًا بُني على المشاعر المتضاربة، والتوترات، والجدل، والصراعات التي لم تنس.
داخل الملعب، يرتبط الصراع بشكل أساسي بمواجهة ربع نهائي كأس العالم 1986، عندما سجل دييجو مارادونا خلال أربع دقائق فقط هدفين أصبحا من أشهر لحظات البطولة على الإطلاق، الأول كان الأكثر إثارة للجدل، والثاني كان ربما الأجمل في تاريخ كأس العالم.
لكن العداوة بين المنتخبين تعود إلى أبعد من ذلك، وتحديدًا إلى مونديال 1966، عندما وصف لاعبو الأرجنتين بأنهم "حيوانات" على لسان مدرب إنجلترا ألف رامسي بعد مباراة ربع النهائي المثيرة للجدل في لندن.
كما امتدت القصة إلى مواجهات أخرى قوية، أبرزها لقاء مونديال 1998 الذي شهد طرد ديفيد بيكهام، ثم مواجهة عام 2002 التي حملت هي الأخرى الكثير من التوتر والإثارة.
أما خارج الملعب، فالقصة أعمق بكثير، إذ تمتد جذورها إلى الصراعات التاريخية بين البلدين، بداية من الغزوات البريطانية للأراضي الأرجنتينية خلال الحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، وصولًا إلى النزاع المستمر حول جزر فوكلاند.
البداية من ويمبلي.. يوم ولدت العداوة
لم تكن العلاقة بين إنجلترا والأرجنتين هادئة منذ البداية، ففي كأس العالم 1966وعلى ملعب ويمبلي، التقى المنتخبان في مواجهة ربع النهائي، في مباراة تحولت إلى واحدة من أكثر المباريات توترًا في تاريخ البطولة.
كانت الأجواء مشحونة، والاحتكاكات حاضرة في كل كرة، حتى جاء طرد قائد الأرجنتين أنطونيو راتين بعد خلاف مع الحكم الألماني رودولف كرايتلين.
القرار تسبب في حالة من الغضب داخل الملعب، واحتاج راتين إلى أكثر من خمس دقائق لمغادرة أرض الملعب، في مشهد زاد من حدة التوتر بين الطرفين.
فازت إنجلترا بهدف دون رد، ومضت في طريقها نحو تحقيق لقبها الوحيد في كأس العالم، لكن آثار تلك المباراة بقيت لفترة طويلة.
المدرب الإنجليزي ألف رامزي رفض بعدها أن يتبادل لاعبوه القمصان مع لاعبي الأرجنتين، وأطلق تصريحات زادت من اشتعال الخلاف، لتبدأ واحدة من أشهر العداوات في كرة القدم.

حرب خارج الملعب
مرت السنوات، لكن العلاقة بين البلدين ازدادت توترًا بعد حرب جزر فوكلاند عام 1982، أو "مالفيناس" كما يسميها الأرجنتينيون، وتقع هذه الجزر في المحيط الأطلسي على بعد نحو 300 ميل من أقصى جنوب قارة أمريكا الجنوبية.
وكانت بريطانيا قد أعلنت سيادتها عليها عام 1774، ثم أعادت فرض حكمها عام 1832، قبل أن تندلع الأزمة مجددًا عام 1982 عندما قامت القوات الأرجنتينية باحتلال الجزر "لاس مالفيناس".
وأدى ذلك إلى اندلاع حرب استمرت 74 يومًا، أسفرت عن مقتل 907 أشخاص، كان معظمهم من الجنود الأرجنتينيين، وانتهت بعودة الجزر إلى السيطرة البريطانية.
الصراع العسكري القصير ترك جراحا عميقة لدى الطرفين، وعندما أسفرت قرعة كأس العالم 1986 بالمكسيك عن مواجهة جديدة بين المنتخبين، لم تكن المباراة مجرد ربع نهائي بالنسبة للأرجنتين.
اعترف دييجو مارادونا لاحقًا بأن اللاعبين شعروا وكأنهم يمثلون شعبًا كاملًا، وأنهم يحملون على عاتقهم مشاعر فقدان وألم تجاوزت حدود كرة القدم.
"يد الرب".. اللحظة التي غيرت التاريخ
في استاد أزتيكا بالمكسيك، جاءت اللقطة التي يعرفها حتى من لم يشاهد المباراة، ففي الشوط الثاني، ارتقى مارادونا مع الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون على كرة مشتركة، لكن النجم الأرجنتيني سبق الجميع بلمسة من يده إلى داخل المرمى.
احتج لاعبو إنجلترا، لكن الهدف احتسب، ليصبح بعدها واحدًا من أكثر الأهداف إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم.
مارادونا وصفه لاحقًا بأنه جاء "قليلًا من الرأس وقليلًا من يد الله"، وهي العبارة التي منحته اسمه الشهير: "يد الله".
وبينما ظل الإنجليز يرونها واحدة من أكبر وقائع الغش في تاريخ الرياضة، نظر إليها كثير من الأرجنتينيين باعتبارها لحظة انتصار رمزية بعد سنوات من الهزيمة في الحرب.
وبعد دقائق قليلة، قدم مارادونا لحظة مختلفة تمامًا، عندما انطلق من منتصف الملعب، راوغ مجموعة من لاعبي إنجلترا، ووضع الكرة في الشباك في هدف أصبح من أعظم ما شهدته البطولة عبر تاريخها.
في تلك الليلة، خرجت إنجلترا من البطولة، لكنها خرجت أيضًا بجرح كروي لم يلتئم بسهولة.


ركلة بيكهام
مرت السنوات، وجاء مونديال 1998 ليمنح المواجهة فصلًا جديدًا هذه المرة كان المشهد في فرنسا، في دور الـ16، وكانت إنجلترا تمتلك جيلًا شابًا يحلم بالعودة إلى منصات التتويج.
وسجل مايكل أوين هدفًا مذهلًا، وأصبح المنتخب الإنجليزي قريبًا من العبور، لكن لحظة واحدة قلبت كل شيء.
ديفيد بيكهام فقد أعصابه، ووجه ركلة خفيفة إلى ساق دييجو سيميوني، الذي سقط بطريقة أثارت الجدل، ليشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه قائد إنجلترا وقتها.
خرجت إنجلترا بركلات الترجيح، وتحول بيكهام إلى هدف للانتقادات، وتحمل وحده مسؤولية الخروج في نظر قطاع كبير من الجماهير.
وبعد أربع سنوات فقط، وفي كأس العالم 2002، وقف بيكهام أمام الأرجنتين مرة أخرى، وسجل ركلة الجزاء التي منحت إنجلترا الفوز، ليغلق أحد أصعب الفصول في مسيرته.

الآن.. من سيكتب الفصل القادم؟
تغيرت الأسماء، وتبدلت الأجيال، لكن القصة بقيت، إنجلترا تبحث عن ليلة تعيدها إلى قمة العالم، والأرجنتين تدخل كل مواجهة وهي تحمل ثقل تاريخها وبطولاتها، وقد لا يكون هناك مارادونا جديد، وقد لا يكون هناك بيكهام جديد، لكن دائمًا هناك لاعب ينتظر لحظته، لأن بعض المباريات لا تصنع الأبطال فقط، بل تكتب أسماءهم في صفحات التاريخ.


