حلاقه سرب التشكيل.. وحمل كأس العالم في كيس بلاستيك.. من هو كوكوريلا؟

كوكوريلا

كوكوريلا

كتب : إسراء أبوعلي

الإثنين، 20 يوليو 2026 07:32 م

في كرة القدم، هناك لاعبون يصنعون المجد بالأهداف، وآخرون يخلدهم التاريخ بالألقاب، لكن قليلين هم من ينجحون في خطف قلوب الجماهير بشخصيتهم قبل أقدامهم.

مارك كوكوريلا واحد من هؤلاء، ففي كأس العالم 2026، وبينما كانت الأضواء مسلطة على ليونيل ميسي، وكيليان مبابي، ولامين يامال، وجد ظهير منتخب إسبانيا نفسه بطلًا لقصة مختلفة تمامًا، لم يكن الأكثر تسجيلًا، ولا الأكثر صناعة، لكنه كان واحدًا من أكثر اللاعبين الذين تحدث عنهم العالم، بسبب شخصيته العفوية وتصرفاته التي لا تشبه أحدًا.

أول ما يخطر في بال أي مشجع عندما يرى كوكوريلا هو شعره الكثيف الطويل، الذي تحول إلى علامة مسجلة باسمه، الجميع طالبه بقصه، والجماهير سخرت منه، وحتى المنافسون استغلوا الأمر أكثر من مرة بشد شعره داخل الملعب، لكنه كان يرفض دائمًا.

بالنسبة له، هذا الشعر ليس مجرد "لوك"، بل جزء من شخصيته التي لا ينوي تغييرها مهما كانت الانتقادات، الغريب أن الرجل لا يكتفي بالدفاع عن شعره، بل يحب أن يراهن به أيضًا!.

ولعل أكثر لقطة انتشرت بعد نهائي المونديال، لم تكن هدفًا أو احتفالًا، بل ظهور كوكوريلا وهو يحمل كأس العالم داخل كيس بلاستيكي، في مشهد أثار موجة من التعليقات الساخرة والمرحة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتحول إلى "ميم" اجتاح الإنترنت.

لكن الحقيقة أن قصة كوكوريلا مع الوعود أغرب بكثير من كيس البلاستيك.

قبل عامين، وقبل نهائي بطولة أوروبا 2024، أطلق اللاعب الإسباني وعدًا بسيطًا، قال فيه إنه سيصبغ شعره باللون الأحمر إذا نجحت إسبانيا في التتويج باللقب.. كثيرون تعاملوا مع الأمر باعتباره مزحة عابرة، لكن بعد تتويج "لا روخا" بالبطولة، ظهر كوكوريلا بالفعل بشعر أحمر، مؤكدًا أن الوعد بالنسبة له لا يقال إلا لينفذ.

وفي كأس العالم 2026، رفع سقف التحدي أكثر.

قبل النهائي أمام الأرجنتين، أعلن أنه إذا توجت إسبانيا بطلة للعالم، فلن يرسم الكأس على جسده، ولن يضع وشمًا يحمل شعار المنتخب، بل سيخلد صورة مدربه لويس دي لا فوينتي على جسده، تقديرًا لما قدمه لهذا الجيل.

الوعد هذه المرة أثار ضجة أكبر، خاصة بعد رد المدرب الإسباني خلال المؤتمر الصحفي، حين قال مازحًا: "لقد أخبرته أنه إذا قطع وعدًا فعليه أن ينفذه.. ولست قبيحًا إلى هذا الحد أيضًا".

ولم تمر ساعات على تتويج إسبانيا حتى عاد كوكوريلا ليؤكد، أنه سينفذ وعده بالفعل، مضيفًا أنه لا يزال يفكر فقط في المكان المناسب لرسم الوشم، مؤكدًا أنه سيكون في مكان ظاهر حتى يسأله الجميع عنه.

لكن شخصية كوكوريلا لم تبدأ مع الوشوم والوعود.

تخرج الظهير الإسباني من أكاديمية برشلونة، وكان يحلم بخوض مباراة واحدة بقميص الفريق الأول، إلا أن وجود جوردي ألبا أغلق الباب أمامه تمامًا، لم يستسلم، فاختار طريقًا أصعب، عبر الإعارة إلى إيبار ثم خيتافي، قبل أن يصنع لنفسه اسمًا بعيدًا عن "كامب نو".

في إيبار سجل هدفًا في مرمى برشلونة، لكنه رفض الاحتفال احترامًا للنادي الذي نشأ بين جدرانه. أما في خيتافي، فكان يحتفل بطريقته الخاصة، ومن أشهر احتفالاته كشفه عن ملابسه الداخلية التي تحمل رسومات مسلسل "ذا سيمبسونز"، في لقطة جسدت شخصيته المرحة التي رافقته طوال مسيرته.

وعندما انتقل إلى الدوري الإنجليزي مع برايتون، لم يتوقع كثيرون أن ينجح لاعب إسباني صغير الحجم، بالكاد يتحدث الإنجليزية، في فرض نفسه سريعًا، لكنه فعلها، وأصبح أفضل لاعب في الفريق خلال موسم واحد فقط.

ثم جاءت محطة تشيلسي، التي تحولت إلى كابوس، تعاقب على تدريبه أكثر من مدير فني، وتراجع مستواه، وأصبح مادة للسخرية أحيانًا، خاصة بعدما سخر خارج الملعب من إرلينج هالاند، قبل أن يرد عليه المهاجم النرويجي داخل الملعب بأداء جعل كوكوريلا يبدو في موقف محرج.

ولم يكن شعره الطويل بعيدًا عن الأزمات أيضًا، بعدما تعرض للشد أكثر من مرة خلال المباريات، في مشاهد أصبحت متكررة، دفعت الجماهير للمطالبة بقصه، لكنه تمسك به، وكأنه جزء من شخصيته.

ولم يتوقف شعر كوكوريلا عند كونه علامة مميزة داخل الملعب، بل كان بطلًا لواحدة من أغرب القصص خارجه أيضًا، ففي الموسم الماضي، اهتز معسكر تشيلسي قبل إحدى المباريات بعدما تسربت التشكيلة الأساسية للفريق بدقة مذهلة، لتبدأ التكهنات حول وجود "جاسوس" داخل النادي.

وبعد ساعات من الجدل، كشفت تقارير بريطانية أن مصدر التسريب لم يكن لاعبًا أو إداريًا، بل الحلاق الخاص بكوكوريلا، الذي نشر عبر حسابه معلومات عن غياب بعض اللاعبين أثناء وجود المدافع الإسباني في صالون الحلاقة، قبل أن يحذف المنشور ويغلق حسابه.

 ومنذ ذلك اليوم، تحولت الواقعة إلى واحدة من أغرب قصص تسريب التشكيلات في الدوري الإنجليزي، وبات اسم كوكوريلا حاضرًا حتى في أكثر المواقف غرابة، رغم أنه لم يكن طرفًا مباشرًا فيها.

وربما كانت مباراة توتنهام هي أفضل تلخيص لطبيعته، في الدوري الإنجليزي، في ديسمبر 2024، حيث دخل الظهير الإسباني اللقاء بشكل كارثي، بعدما انزلق مرتين خلال الدقائق الأولى بسبب حذائه، واستغل لاعبو توتنهام الموقف ليسجلوا هدفين مبكرين، لتتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة سخرية من اللاعب، بينما توقع الجميع أن يعيش واحدة من أسوأ مبارياته بقميص تشيلسي.

لكن كوكوريلا تعامل مع الموقف بطريقته الخاصة؛ توجه إلى الخط الجانبي، خلع الحذاء الذي تسبب في انزلاقه، وألقاه في سلة المهملات، ثم ارتدى حذاءً آخر وعاد إلى الملعب وكأن شيئًا لم يحدث.

المفاجأة أن المباراة انقلبت بعدها تمامًا، إذ استعاد تشيلسي توازنه، وقدم كوكوريلا واحدة من أفضل فتراته في اللقاء، ليساهم في الريمونتادا التي انتهت بفوز "البلوز" بنتيجة 4-3، لتتحول اللقطة من مادة للسخرية إلى واحدة من أكثر القصص تداولًا في الموسم، وأصبحت دليلًا جديدًا على شخصية لاعب لا يسمح للحظات السيئة بأن تكسره.

حتى أسرع مدافع في العالم، كايل ووكر، لم يسلم منه، فقبل نهائي يورو 2024، توقع الجميع أن ووكر سيوقف انطلاقات كوكوريلا بسهولة، لكن الإسباني أنهى المباراة بتمريرة حاسمة صنعت هدف الفوز، ومنحت إسبانيا لقب أوروبا، في واحدة من أبرز لحظات مسيرته.

وربما لهذا السبب، أصبح مارك كوكوريلا شخصية استثنائية في كرة القدم الحديثة، قد لا يكون أكثر اللاعبين مهارة، ولا الأغلى في العالم، لكنه لاعب لا يخشى أن يكون على طبيعته، لا يخجل من وعوده، ولا يهرب من السخرية، ولا يتوقف عن الضحك حتى في أصعب اللحظات.

وفي زمن أصبحت فيه شخصيات اللاعبين متشابهة، اختار كوكوريلا أن يكون مختلفًا.. ولذلك، أصبح واحدًا من أكثر نجوم كأس العالم 2026 الذين لن ينساهم أحد.